سيد محمد طنطاوي

95

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وثانيهما : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر . ويدل لهذا الوجه قوله - تعالى - : فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ « 1 » . أي : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل في حالة ألف سنة من سنى الدنيا ، ويعادل في حالة أخرى خمسين ألف سنة . وقوله - تعالى - : * ( فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا . إِنَّهُمْ يَرَوْنَه بَعِيداً . ونَراه قَرِيباً . . ) * متفرع على قوله - سبحانه - * ( سَأَلَ سائِلٌ ) * لأن السؤال كان سؤال استهزاء ، يضيق به الصدر ، وتغتم له النفس . والصبر الجميل : هو الصبر الذي لا شكوى معه لغير اللَّه - عز وجل - ولا يخالطه شيء من الجزع ، أو التبرم بقضاء اللَّه وقدره . أي : لقد سألوك - أيها الرسول الكريم - عن يوم القيامة ، وعن العذاب الذي تهددهم به . . . سؤال تهكم واستعجال . . فاصبر صبرا جميلا على غرورهم وجحودهم وجهالاتهم . إنهم يرون هذا اليوم وما يصحبه من عذاب . . يرونه « بعيدا » من الإمكان أو من الوقوع ، ولذلك كذبوا بما جئتهم به من عندنا ، واستهزؤا بك . . ونحن نراه قريبا من الإمكان ، بل هو كائن لا محالة في الوقت الذي تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا . ثم بين - سبحانه - جانبا من أهوال هذا اليوم فقال : * ( يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ . وتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ . ولا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) * . ولفظ « يوم » متعلق بقوله : « قريبا » أو بمحذوف يدل عليه قوله : * ( واقِعٍ ) * أي : هو واقع هذا العذاب يوم تكون السماء في هيئتها ومظهرها « كالمهل » أي : تكون واهية مسترخية . . كالزيت الذي يتبقى في قعر الإناء . * ( وتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ) * أي : كالصوف المصبوغ ألوانا ، لاختلاف ألوان الجبال ، فإن الجبال إذا فتتت وتمزقت في الجو ، أشبهت الصوف المنفوش إذا طيرته الرياح ، قيل : أول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ، ثم عهنا منفوشا ، ثم هباء منبثا . ووجه الشبه أن السماء في هذا اليوم تكون في انحلال أجزائها ، كالشىء الباقي في قعر الإناء من الزيت ، وتكون الجبال في تفرق أجزائها كالصوف المصبوغ الذي تطاير في الجو . وفي هذا اليوم - أيضا - * ( لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) * أي : لا يسأل صديق صديقه النصرة

--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 6 ص 53 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي .